المقريزي

201

المقفى الكبير

صلّيت قالوا : زوكر « 1 » * ما أكثر فضول الناس فأعجبني . وذكر له أنّ جارية النطّاع تغنّي غناء في غاية الحسن ، فقال : أمرها عندي خفيف . وقال لفتح الدين ابن سيّد الناس : ما يعجبك أن يكون عندك عوّادة ؟ قال : ما أكره ذلك - وأنشده لبعضهم [ الكامل ] « 2 » : غنّت فأخفت صوتها في عودها * فكأنّما الصوتان صوت العود هيفاء تأمر عودها فيطيعها * أبدا ويتبعها اتّباع ودود وكأنّما الصوتان حين تمازجا * ماء الغمامة وابنة العنقود [ 167 أ ] فقال : أعد عليّ ! فأعدت عليه فحفظه . [ حلمه ] وكان عديم البطش قليل المقابلة على الإساءة . كلّمه قطب الدين ابن الشاميّة بحضرة الناس كلاما تألّم منه ، وقام من المجلس ، وظنّ الناس أنّه يقابله فلم يفعل . وسألوه عن ذلك فقال : خشيت أن يعيّر بذلك . وكان بمجلس الحكم بدار الحديث الكامليّة ، وإذا بشخص هجم وقصده ، فمنعه الرسل منعا عنيفا . فرماهم بيديه وقال بصوت قويّ : من هو هذا حتّى تمنعوني عنه ؟ خليفة هذا ؟ فنظر إليه لحظة وعمل بيديه : ما فيك تأنّ ؟ وهجاه برهان الدين إبراهيم الحنفيّ وقد عزله من مباشرة وقف . فلمّا بلغته الأبيات قال له : يا فقيه ، بلغني أنّك هجوتني ؟ فسكت البرهان ، فقال : أنشدني ! وألحّ عليه فأنشده [ الطويل ] : وليت فولّى الزهد عنك بأسره * وبان لنا غير الذي كنت تظهر ركنت إلى الدنيا وعاشرت أهلها * ولو كان عن جبر لقد كنت تعذر فسكت زمانا وقال : ما حملك على هذا ؟ قال : أنا رجل فقير ، وأباشر وقفا ، وقد أخذه منّي فلان . فقال : ما علمت بهذا ، أنت على حالك . فباشر الوقف مدّة ، ثمّ أتاه يستأذنه في الحجّ . فقال : هل معك هجو آخر ؟ قال : لا ، ولكنّي جئت أستأذن سيّدي في الحجّ . فقال : مع السلامة ، وما نغيّر عليك . وهجاه عبد اللطيف القفصيّ ، فقال : بلغني أنّك هجوتني فأنشدني ! فأنشده بلّيقة أوّلها : قاضي القضاة أعزل نفسه * لمّا ظهر للناس نحسه فقال : هجوت جيّدا . ( قال ) : وله نثر أحسن من نثر الدرر . [ نظمه ] وله نظم فائق . وأنشد له [ الطويل ] : وقائلة : مات الكرام ، فمن لنا * إذا عضّنا الدهر الشديد بنابه ؟

--> ( 1 ) الزوكر ج زواكرة : المنافق ( دوزي ) . ( 2 ) المنشد هو ابن سيّد الناس .